فصل: تفسير الآيات رقم (122- 123)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير البيضاوي المسمى بـ «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏92‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ‏(‏92‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ جَاءكُم موسى بالبينات‏}‏ يعني الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى تِسْعَ ءايات بَيّنَاتٍ‏}‏ ‏{‏ثُمَّ اتخذتم العجل‏}‏ أي إلَهاً ‏{‏مِن بَعْدِهِ‏}‏ من بعد مجيء موسى، أو ذهابه إلى الطور ‏{‏وَأَنتُمْ ظالمون‏}‏ حال، بمعنى اتخذتم العجل ظالمين بعبادته، أو بالإخلال بآيات الله تعالى، أو اعتراض بمعنى وأنتم قوم عادتكم الظلم‏.‏ ومساق الآية أيضاً لإبطال قولهم ‏{‏نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا‏}‏ والتنبيه على أن طريقتهم مع الرسول طريقة أسلافهم مع موسى عليهما الصلاة والسلام، لا لتكرير القصة وكذا ما بعده‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏93‏]‏

‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏93‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ مَا ءاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ واسمعوا‏}‏ أي قلنا لهم‏:‏ خذوا ما أمرتم به في التوراة بجد واسمعوا سماع طاعة‏.‏ ‏{‏قَالُواْ سَمِعْنَا‏}‏ قولك ‏{‏وَعَصَيْنَا‏}‏ أمرك ‏{‏وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل‏}‏ تداخلهم حبه ورسخ في قلوبهم صورته، لفرط شغفهم به، كما يتداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق البدن‏.‏ وفي قلوبهم‏:‏ بيان لمكان الإشراب كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً‏}‏ ‏{‏بِكُفْرِهِمْ‏}‏ بسبب كفرهم وذلك لأنهم كانوا مجسمة، أو حلولية ولم يروا جسماً أعجب منه، فتمكن في قلوبهم ما سول لهم السامري ‏{‏قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم‏}‏ أي بالتوراة، والمخصوص بالذم محذوف نحو هذا الأمر، أو ما يعمه وغيره من قبائحهم المعدودة في الآيات الثلاث إلزاماً عليهم ‏{‏إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ تقرير للقدح‏.‏ في دعواهم الإيمان بالتوراة، وتقديره إن كنتم مؤمنين بها لم يأمركم بهذه القبائح ولا يرخص لكم فيها إيمانكم بها، أو إن كنتم مؤمنين بها فبئسما يأمركم به إيمانكم بها، لأن المؤمن ينبغي أن لا يتعاطى إلا ما يقتضيه إيمانه، لكن الإيمان بها لا يأمر به، فإذاً لستم بمؤمنين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏94‏]‏

‏{‏قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏94‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة عِندَ الله خَالِصَةً‏}‏ خاصة بكم كما قلتم‏:‏ ‏{‏لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا‏}‏ ونصبها على الحال من الدار‏.‏ ‏{‏مّن دُونِ الناس‏}‏ سائرهم، واللام للجنس، أو المسلمين واللام للعهد ‏{‏فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صادقين‏}‏ لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها، وأحب التخلص إليها من الدار ذات الشوائب، كما قال عليّ رضي الله تعالى عنه‏:‏ ‏(‏لا أبالي سقطت على الموت، أو سقط الموت علي‏)‏‏.‏ وقال عمار رضي الله تعالى عنه بصفين‏:‏ ‏(‏الآن ألاقي الأحبة محمداً وحزبه‏)‏‏.‏ وقال حذيفة رضي الله عنه حين اختصر‏:‏ ‏(‏جاء حبيب على فاقة لا أفلح من ندم‏)‏ أي‏:‏ على التمني، سيما إذا علم أنها سالمة له لا يشاركه فيها غيره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏95‏]‏

‏{‏وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ‏(‏95‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ‏}‏ من موجبات النار، كالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن، وتحريف التوراة‏.‏ ولما كانت اليد العاملة مختصة بالإنسان، آلة لقدرته بها عامة صنائعه ومنها أكثر منافعه، عبر بها عن النفس تارة والقدرة أخرى، وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان كما أخبر، لأنهم لو تمنوا لنقل واشتهر، فإن التمني ليس من عمل القلب ليخفى، بل هو أن يقول‏:‏ ليت لي كذا، ولو كان بالقلب لقالوا‏:‏ تمنينا‏.‏ وعن النبي صلى الله عليه وسلم «لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه، وما بقي على وجه الأرض يهودي» ‏{‏والله عَلِيمٌ بالظالمين‏}‏ تهديد لهم وتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم، ونفيه عمن هو لهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏96‏]‏

‏{‏وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ‏(‏96‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة‏}‏ من وجد بعقله الجاري مجرى علم، ومفعولاه هم وأحرص الناس، وتنكير حياة لأنه أريد بها فرد من أفرادها وهي‏:‏ الحياة المتطاولة، وقرئ باللام‏.‏ ‏{‏وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ‏}‏ محمول على المعنى وكأنه قال‏:‏ أحرص من الناس على الحياة ومن الذين أشركوا‏.‏ وإفراده بالذكر للمبالغة، فإن حرصهم شديد إذ لم يعرفوا إلا الحياة العاجلة، والزيادة في التوبيخ والتقريع، فإنهم لما زاد حرصهم وهم مقرون بالجزاء على حرص المنكرين دل ذلك على علمهم بأنهم صائرون إلى النار، ويجوز أن يراد وأحرص من الذين أشركوا، فحذف أحرص لدلالة الأول عليه، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف صفته ‏{‏يَوَدُّ أَحَدُهُمْ‏}‏ على أنه أريد بالذين أشركوا اليهود لأنهم قالوا‏:‏ ‏{‏عُزَيْرٌ ابن الله‏}‏ أي‏:‏ ومنهم ناس يود أحدهم، وهو على الأولين بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف‏.‏ ‏{‏لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ‏}‏ حكاية لودادتهم، ولو بمعنى ليت وكان أصله‏:‏ لو أعمر، فأجرى على الغيبة لقوله‏:‏ يود، كقولك حلف بالله ليفعلن ‏{‏وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ‏}‏ الضمير لأحدهم، وأن يعمر فاعل مزحزحه، أي وما أحدهم بمن يزحزحه من العذاب تعميره، أو لما دل عليه يعمر‏.‏ وأن يعمر بدل منه‏.‏ أو منهم، وأن يعمر موضحه وأصل سنة سنوة لقولهم سنوات‏.‏ وقيل سنهة كجبهة لقولهم سانهته وتسنهت النخلة إذا أتت عليها السنون، والزحزحة التبعيد ‏{‏والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ‏}‏ فيجازيهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏97‏]‏

‏{‏قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏97‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ‏}‏ نزل في عبد الله بن صوريا، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن ينزل عليه بالوحي‏؟‏ فقال‏:‏ جبريل، فقال‏:‏ ذاك عدونا عادانا مراراً، وأشدَّها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر، فبعثنا من يقتله فرآه ببابل فدفع عنه جبريل‏.‏ وقال‏:‏ إن كان ربكم أمره بهلاككم فلا يسلطكم عليه وإلا فيم تقتلونه‏؟‏‏.‏ وقيل‏:‏ دخل عمر رضي الله تعالى عنه مدارس اليهود يوماً، فسألهم عن جبريل فقالوا‏:‏ ذاك عدونا يطلع محمداً على أسرارنا وإنه صاحب كل خسف وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلام، فقال‏:‏ وما منزلتهما من الله‏؟‏ قالوا‏:‏ جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وبينهما عداوة، فقال؛ لئن كانا كما تقولون فليسا بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدو أحدهما فهو عدو الله‏.‏ ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقال عليه الصلاة والسلام ‏"‏ لقد وافقك ربك يا عمر ‏"‏ وفي جبريل ثمان لغات قرئ بهن أربع في‏:‏ المشهور «جبرئل» كسلسبيل قراءة حمزة والكسائي، و‏{‏جبريل‏}‏ بكسر الراء وحذف الهمزة قراءة ابن كثير، و«جبرئل» كجحمرش قراءة عاصم برواية أبي بكر، و‏{‏جبريل‏}‏ كقنديل قراءة الباقين‏.‏ وأربع في الشواذ‏:‏ «جبرائيل» كجبراعيل، و«جبريل» و«جبرين» ومنع صرفه للعجمة، والتعريف، ومعناه عبد الله‏.‏ ‏{‏فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ‏}‏ البارز الأول لجبريل، والثاني للقرآن، وإضماره غير مذكور يدل على فخامة شأنه كأنه لتعينه وفرط شهرته لم يحتج إلى سبق ذكره‏.‏ ‏{‏على قَلْبِكَ‏}‏ فإنه القابل الأول للوحي، ومحل الفهم والحفظ، وكان حقه على قلبي لكنه جاء على حكاية كلام الله تعالى كأنه قال‏:‏ قل ما تكلمت به‏.‏ ‏{‏بِإِذُنِ الله‏}‏ بأمره، أو تيسيره حال من فاعله نزله‏.‏ ‏{‏مُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ أحوال من مفعوله، والظاهر أن جواب الشرط ‏{‏فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ‏}‏، والمعنى من عادى منهم جبريل فقد خلع ربقة الإنصاف، أو كفر بما معه من الكتاب بمعاداته إياه لنزوله عليك بالوحي، لأنه نزل كتاباً مصدقاً للكتب المتقدمة، فحذف الجواب وأقيم علته مقامه، أو من عاداه فالسبب في عداوته أنه نزله عليك‏.‏ وقيل محذوف مثل‏:‏ فليمت غيظاً، أو فهو عدو لي وأنا عدو له‏.‏

كما قال‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏98‏]‏

‏{‏مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ‏(‏98‏)‏‏}‏

‏{‏مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال فَإِنَّ الله عَدُوٌّ للكافرين‏}‏ أراد بعداوة الله مخالفته عناداً، أو معاداة المقربين من عباده، وصدر الكلام بذكره تفخيماً لشأنهم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ‏}‏ وأفرد الملكين بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر، والتنبيه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر واستجلاب العداوة من الله تعالى، وأن من عادى أحدهم فكأنه عادى الجميع، إذ الموجب لعداوتهم ومحبتهم على الحقيقة واحد، ولأن المحاجة كانت فيهما‏.‏ ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنه تعالى عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة والرسل كفر‏.‏ وقرأ نافع «ميكائل» كميكاعل، وأبو عمرو ويعقوب وعاصم برواية حفص ‏{‏ميكال‏}‏ كميعاد، والباقون «ميكائيل» بالهمزة والياء بعدها‏.‏ وقرئ «ميكئل» كميكعل، و«ميكئيل» كميكعيل، وميكايل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏99‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ‏(‏99‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءايات بينات وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الفاسقون‏}‏ أي المتمردون من الكفرة، والفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي دل على عظمه كأنه متجاوز عن حده‏.‏ نزل في ابن صوريا حين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية فنتبعك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏100‏]‏

‏{‏أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏100‏)‏‏}‏

‏{‏أَوَكُلَّمَا عاهدوا عَهْدًا‏}‏ الهمزة للإنكار، والواو للعطف على محذوف تقديره أكفروا بالآيات كلما عاهدوا، وقرئ بسكون الواو على أن التقدير إلا الذين فسقوا، ‏{‏أَوَكُلَّمَا عاهدوا‏}‏، وقرئ «عوهدوا» و«عهدوا»‏.‏ ‏{‏نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم‏}‏ نقضه، وأصل النبذ الطرح، لكنه يغلب فيما ينسى، وإنما قال فريق لأن بعضهم لم ينقض ‏{‏بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ رد لما يتوهم من أن الفريق هم الأقلون، أو أن من لم ينبذ جهاراً فهم مؤمنون به خفاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏101‏]‏

‏{‏وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏101‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ الله مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ‏}‏ كعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام‏.‏ ‏{‏نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله‏}‏ يعني التوراة، لأن كفرهم بالرسول المصدق لها كفر بها فيما يصدقه، ونبذ لما فيها من وجوب الإيمان بالرسل المؤيدين بالآيات‏.‏ وقيل ما مع الرسول صلى الله عليه وسلم هو القرآن‏.‏

‏{‏وَرَاء ظُهُورِهِمْ‏}‏ مثل لإِعراضهم عنه رأساً، بالإعراض عما يرمي به وراء الظهر لعدم الالتفات إليه‏.‏ ‏{‏كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ أنه كتاب الله، يعني أن علمهم به رصين ولكن يتجاهلون عناداً‏.‏ واعلم أنه تعالى دل بالآيتين على أن جيل اليهود أربع فرق‏:‏ فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب وهم الأقلون المدلول عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏‏.‏ وفرقة جاهروا بنبذ عهودها وتخطي حدودها تمرادً وفسوقاً، وهم المعنيون بقوله‏:‏ ‏{‏نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم‏}‏ وفرقة لم يجاهروا بنبذها ولكن نبذوا لجهلهم بها وهم الأكثرون‏.‏ وفرقة تمسكوا بها ظاهراً ونبذوها خفية عالمين بالحال، بغياً وعناداً وهم المتجاهلون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏102‏]‏

‏{‏وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏(‏102‏)‏‏}‏

‏{‏واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين‏}‏ عطف على نبذ، أي نبذوا كتاب الله واتبعوا كتب السحر التي تقرؤها، أو تتبعها الشياطين من الجن، أو الإنس، أو منهما‏.‏ ‏{‏على مُلْكِ سليمان‏}‏ أي عهده، وتتلو حكاية حال ماضية، قيل‏:‏ كانوا يسترقون السمع ويضمون إلى ما سمعوا أكاذيب، ويلقونها إلى الكهنة وهم يدونونها ويعلمون الناس، وفشا ذلك في عهد سليمان عليه السلام حتى قيل‏:‏ إن الجن يعلمون الغيب، وأن مُلْكَ سليمان تَمَّ بهذا العلم، وأنه تُسَخَّرُ به الجن والإِنس والريح له‏.‏ ‏{‏وَمَا كَفَرَ سليمان‏}‏ تكذيب لمن زعم ذلك، وعبر عن السحر بالكفر ليدل على أنه كفر، وأن من كان نبياً كان معصوماً منه‏.‏ ‏{‏ولكن الشياطين كَفَرُواْ‏}‏ باستعماله، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي و‏{‏لَكِنِ‏}‏ بالتخفيف، ورفع ‏{‏الشياطين‏}‏‏.‏ ‏{‏يُعَلّمُونَ الناس السحر‏}‏ إغواءً وإضلالاً، والجملة حال من الضمير، والمراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس‏.‏ فإن التناسب شرط في التضام والتعاون، وبهذا تميز الساحر عن النبي والولي، وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم، وتسميته سحراً عمل التجوز، أو لما فيه من الدقة لأنه في الأصل لما خفي سببه‏.‏ ‏{‏وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين‏}‏ عطف على السحر والمراد بهما واحد، والعطف لتغاير الاعتبار، أو المراد به نوع أقوى منه، أو على ما تتلو‏.‏ وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس، وتمييزاً بينه وبين المعجزة‏.‏ وما روي أنهما مثلاً بشرين، وركب فيهما الشهوة فتعرضا لامرأة يقال لها‏:‏ زهرة، فحملتهما على المعاصي والشرك، ثم صعدت إلى السماء بما تعلمت منهما فمحكي عن اليهود ولعله من رموز الأوائل وحله لا يخفى على ذوي البصائر‏.‏ وقيل‏:‏ رجلان سميا ملكين باعتبار صلاحهما، ويؤيده قراءة الملكين بالكسر‏.‏ وقيل‏:‏ ما أنزل نفي معطوف على ما كفر سليمان تكذيب لليهود في هذه القصة‏.‏ ‏{‏بِبَابِلَ‏}‏ ظرف، أو حال من الملكين، أو الضمير في أنزل والمشهور أنه بلد من سواد الكوفة‏.‏ ‏{‏هاروت وماروت‏}‏ عطف بيان للملكين، ومنع صرفهما للعلمية والعجمة، ولو كانا من الهرت والمرت بمعنى الكسر لانصرفا‏.‏ ومن جعل ما نافية أبدلهما من الشياطين بدل البعض، وما بينهما اعتراض‏.‏ وقرئ بالرفع على هما ‏{‏هاروت وماروت‏}‏‏.‏ ‏{‏وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ‏}‏ فمعناه على الأول ما يعلمان أحداً حتى ينصحاه ويقولا له إنما نحن ابتلاء من الله، فمن تعلم منا وعمل به كفر، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان، فلا تكفر باعتقاد جوازه والعمل به‏.‏

وفيه دليل على أن تعلم السحر وما لا يجوز اتباعه غير محظور، وإنما المنع من اتباعه والعمل به‏.‏ وعلى الثاني ما يعلمانه حتى يقولا إنما نحن مفتونان فلا تكن مثلنا‏.‏ ‏{‏فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا‏}‏ الضمير لما دل عليه من أحد‏.‏ ‏{‏مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ‏}‏ أي من السحر ما يكون سبب تفريقهما‏.‏ ‏{‏وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله‏}‏ لأنه وغيره من الأسباب غير مؤثرة بالذات، بل بأمره تعالى وجعله‏.‏ قرئ ‏{‏بضاري‏}‏ على الإضافة إلى أحد، وجعل الجار جزء منه والفصل بالظرف‏.‏ ‏{‏وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ‏}‏ لأنهم يقصدون به العمل، أو لأن العلم يجر إلى العمل غالباً ‏{‏وَلاَ يَنفَعُهُمْ‏}‏ إذ مجرد العلم به غير مقصود ولا نافع في الدارين‏.‏ وفيه أن التحرز عنه أولى ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمُواْ‏}‏ أي اليهود‏.‏ ‏{‏لَمَنِ اشتراه‏}‏ أي استبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله تعالى، والأظهر أن اللام لام الإبتداء علقت علموا عن العمل ‏{‏مَا لَهُ فِى الآخرة مِنْ خلاق‏}‏ نصيب ‏{‏وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ‏}‏ يحتمل المعنيين على ما مر‏.‏ ‏{‏لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏ يتفكرون فيه، أو يعلمون قبحه على التعيين، أو حقية ما يتبعه من العذاب، والمثبت لهم أولاً على التوكيد القسمي العقل الغريزي أو العلم الإجمالي يقبح الفعل، أو ترتب العقاب من غير تحقيق وقيل‏:‏ معناه لو كانوا يعملون بعلمهم، فإن من لم يعمل بما علم فهو كمن لم يعلم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏103‏]‏

‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏(‏103‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ‏}‏ بالرسول والكتاب‏.‏ ‏{‏واتقوا‏}‏ بترك المعاصي، كنبذ كتاب الله واتباع السحر ‏{‏لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ‏}‏ جواب لو، وأصله لأثيبوا مثوبة من عند الله خيراً مما شروا به أنفسهم، فحذف الفعل وركب الباقي جملة اسمية لتدل على ثبات المثوبة والجزم بخيريتها، وحذف المفضل عليه إجلالاً للمفضل من أن ينسب إليه، وتنكير المثوبة لأن المعنى لشيء من الثواب خير، وقيل‏:‏ لو للتمني، و‏{‏لَمَثُوبَةٌ‏}‏ كلام مبتدأ‏.‏ وقرئ ‏{‏لَمَثُوبَةٌ‏}‏ كمشورة، وإنما سمي الجزاء ثواباً ومثوبة لأن المحسن يثوب إليه ‏{‏لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏ أن ثواب الله خير مما هم فيه، وقد علموا لكنه جَهَّلَهُم لترك التدبر، أو العمل بالعلم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏104‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏104‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ راعنا وَقُولُواْ انظرنا‏}‏ الرعي حفظ الغير لمصلحته، وكان المسلمون يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام راعنا أي راقبنا وتأن بنا فيما تلقننا حتى نفهمه، وسمع اليهود فافترصوه وخاطبوه به مريدين نسبته إلى الرعن، أو سبه بالكلمة العبرانية التي كانوا يتسابون بها وهي راعينا، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بما يفيد تلك الفائدة ولا يقبل التلبيس، وهو انظرنا بمعنى انظر إلينا‏.‏ أو انتظرنا من نظره إذا انتظره‏.‏ وقرئ أنظرنا من الإنظار أي أمهلنا لنحفظ‏.‏ وقرئ راعونا على لفظ الجمع للتوقير، وراعنا بالتنوين أي قولاً ذا رعن نسبة إلى الرعن وهو الهوج، لما شابه قولهم راعينا وتسبب للسب‏.‏ ‏{‏واسمعوا‏}‏ وأحسنوا الاستماع حتى لا تفتقروا إلى طلب المراعاة، أو واسمعوا سماع قبول لا كسماع اليهود، أو واسمعوا ما أمرتم به بجد حتى لا تعودوا إلى ما نهيتم عنه‏.‏ ‏{‏وللكافرين عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ يعني الذين تهاونوا بالرسول عليه الصلاة والسلام وسبوه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏105‏]‏

‏{‏مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ‏(‏105‏)‏‏}‏

‏{‏مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين‏}‏ نزلت تكذيباً لجمع من اليهود يظهرون مودة المؤمنين، ويزعمون أنهم يودون لهم الخير‏.‏ والود‏:‏ محبة الشيء مع تمنيه، ولذلك يستعمل في كل منهما، ومن للتبيين كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين‏}‏ ‏{‏أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مّنْ خَيْرٍ مّن رَّبّكُمْ‏}‏ مفعول يود، ومن الأولى مزيدة للاستغراق، والثانية للابتداء، وفسر الخير بالوحي‏.‏ والمعنى أنهم يحسدونكم به وما يحبون أن ينزل عليكم شيء منه وبالعلم وبالنصرة، ولعل المراد به ما يعم ذلك ‏{‏والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء‏}‏ يستنبئه ويعلمه الحكمة وينصره لا يجب عليه شيء، وليس لأحد عليه حق ‏{‏والله ذُو الفضل العظيم‏}‏ إشعار بأن النبوة من الفضل، وأن حرمان بعض عباده ليس لضيق فضله، بل لمشيئته وما عرف فيه من حكمته‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏106‏]‏

‏{‏مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏106‏)‏‏}‏

‏{‏مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا‏}‏ نزلت لما قال المشركون أو اليهود‏:‏ ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه‏.‏ والنسخ في اللغة‏:‏ إزالة الصورة عن الشيء وإثباتها في غيره، كنسخ الظل للشمس والنقل، ومنه التناسخ‏.‏ ثم استعمل لكل واحد منهما كقولك‏:‏ نسخت الريح الأثر، ونسخت الكتاب‏.‏ ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها، أو الحكم المستفاد منها، أو بهما جميعاً‏.‏ وإنساؤها إذهابها عن القلوب، وما شرطية جازمة لننسخ منتصبة به على المفعولية‏.‏ وقرأ ابن عامر ما ننسخ من أنسخ أي نأمرك أو جبريل بنسخها، أو نجدها منسوخة‏.‏ وابن كثير وأبو عمرو «ننسأها» أي نؤخرها من النسء‏.‏ وقرئ «ننسها» أي ننس أحداً إياها، و«ننسها» أي أنت، و«تنسها» على البناء للمفعول، و«ننسكها» بإضمار المفعولين ‏{‏نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا‏}‏ أي بما هو خير للعباد في النفع والثواب، أو مثلها في الثواب‏.‏ وقرأ أبو عمرو بقلب الهمزة ألفاً‏.‏ ‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ‏}‏ فيقدر على النسخ والإتيان بمثل المنسوخ، أو بما هو خير منه‏.‏ والآية دلت على جواز النسخ وتأخير الإِنزال إذ الأصل اختصاص أن وما يتضمنها بالأمور المحتملة، وذلك لأن الأحكام شرعت، والآيات نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلاً من الله ورحمة، وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص، كأسباب المعاش فإن النافع في عصر قد يضر في عصر غيره‏.‏ واحتج بها من منع النسخ بلا بدل، أو ببدل أثقل‏.‏ ونسخ الكتاب بالسنة، فإن الناسخ هو المأتي به بدلاً والسنة ليست كذلك والكل ضعيف، إذ قد يكون عدم الحكم، أو الأثقل أصلح‏.‏ والنسخ قد يعرف بغيره، والسنة مما أتى به الله تعالى، وليس المراد بالخير والمثل ما يكون كذلك في اللفظ‏.‏ والمعتزلة على حدوث القرآن فإن التغير والتفاوت من لوازمه‏.‏ وأجيب‏:‏ بأنهما من عوارض الأمور المتعلقة بالمعنى القائم بالذات القديم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏107‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏107‏)‏‏}‏

‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ‏}‏ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد هو وأمته، لقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا لَكُمْ‏}‏ وإنما أفرده لأنه أعلمهم، ومبدأ علمهم‏.‏ ‏{‏أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والأرض‏}‏ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو كالدليل على قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله على كُلِّ شَئ قَدِيرٌ‏}‏ أو على جواز النسخ ولذلك ترك العاطف‏.‏ ‏{‏وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ‏}‏ وإنما هو الذي يملك أموركم ويجريها على ما يصلحكم، والفرق بين الولي والنصير‏.‏ أن الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبياً عن المنصور فيكون بينهما عموم من وجه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏108‏]‏

‏{‏أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ‏(‏108‏)‏‏}‏

‏{‏أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأََلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ‏}‏ أم معادلة للهمزة في ‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ‏}‏ أي‏:‏ ألم تعلموا أنه مالك الأمور قادر على الأشياء كلها يأمر وينهى كما أراد، أم تعلمون وتقترحون بالسؤال كما اقترحت اليهود على موسى عليه السلام‏.‏ أو منقطعة والمراد أن يوصيهم بالثقة به وترك الاقتراح عليه‏.‏ قيل‏:‏ نزلت في أهل الكتاب حين سألوا أن ينزل الله عليهم كتاباً من السماء‏.‏ وقيل‏:‏ في المشركين لما قالوا ‏{‏لَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤهُ‏}‏ ‏{‏وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل‏}‏ ومن ترك الثقة بالآيات البينات وشك فيها واقترح غيرها، فقد ضل الطريق المستقيم حتى وقع في الكفر بعد الإيمان‏.‏ ومعنى الآية لا تقترحوا فتضلوا وسط السبيل، ويؤدي بكم الضلال إلى البعد عن المقصد وتبديل الكفر بالإيمان‏.‏ وقرئ «يبدل» من أبدل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏109‏]‏

‏{‏وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏109‏)‏‏}‏

‏{‏وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب‏}‏ يعني أحبارهم‏.‏ ‏{‏لَوْ يَرُدُّونَكُم‏}‏ أن يردوكم، فإن لو تنوب عن إن في المعنى دون اللفظ‏:‏ ‏{‏مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا‏}‏ مرتدين، وهو حال من ضمير المخاطبين ‏{‏حَسَدًا‏}‏ علة ود‏.‏ ‏{‏مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ‏}‏ يجوز أن يتعلق بود، أي تمنوا ذلك من عند أنفسهم وتشهيهم، لا من قبل التدين والميل مع الحق‏.‏ أو بحسداً أي حسداً بالغاً منبعثاً من أصل نفوسهم ‏{‏مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق‏}‏ بالمعجزات والنعوت المذكورة في التوراة‏.‏ ‏{‏فاعفوا واصفحوا‏}‏ العفو ترك عقوبة المذنب، والصفح ترك تثريبه‏.‏ ‏{‏حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ‏}‏ الذي هو الإذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم، أو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه منسوخ بآية السيف، وفيه نظر إذ الأمر غير مطلق ‏{‏إنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ‏}‏ فيقدر على الانتقام منهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏110‏]‏

‏{‏وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏110‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكواة‏}‏ عطف على فاعفوا كأنه أمرهم بالصبر والمخالفة والملجأ إلى الله تعالى بالعبادة والبر ‏{‏وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ‏}‏ كصلاة وصدقة‏.‏ وقرئ ‏{‏تُقَدّمُواْ‏}‏ من أقدم ‏{‏تَجِدُوهُ عِندَ الله‏}‏ أي ثوابه‏.‏

‏{‏إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ لا يضيع عنده عمل‏.‏ وقرئ بالياء فيكون وعيداً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏111‏]‏

‏{‏وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏111‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالُواْ‏}‏ عطف على ‏{‏وَدَّ‏}‏، والضمير لأهل الكتاب من اليهود والنصارى‏.‏ ‏{‏لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى‏}‏ لف بين قولي الفريقين كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى‏}‏ ثقة بفهم السامع، وهود جمع هائد كعوذ وعائذ، وتوحيد الاسم المضمر في كان، وجمع الخبر لاعتبار اللفظ والمعنى‏.‏ ‏{‏تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ‏}‏ إشارة إلى الأماني المذكورة، وهي أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأن يردوهم كفاراً، وأن لا يدخل الجنة غيرهم، أو إلى ما في الآية على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم، والجملة اعتراض والأمنية أفعولة من التمني كالأضحوكة والأعجوبة‏.‏ ‏{‏قُلْ هَاتُواْ برهانكم‏}‏ على اختصاصكم بدخول الجنة‏.‏ ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ في دعواكم فإن كل قول لا دليل عليه غير ثابت‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏112‏]‏

‏{‏بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏112‏)‏‏}‏

‏{‏بلى‏}‏ إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة ‏{‏مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ‏}‏ أخلص له نفسه، أو قصده، وأصله العضو ‏{‏وَهُوَ مُحْسِنٌ‏}‏ في عمله ‏{‏فَلَهُ أَجْرُهُ‏}‏ الذي وعد له على عمله ‏{‏عِندَ رَبّهِ‏}‏ ثابتاً عن ربه لا يضيع ولا ينقص، والجملة جواب من إن كانت شرطية وخبرها إن كانت موصولة‏.‏ والفاء فيها لتضمنها معنى الشرط فيكون الرد بقوله‏:‏ بلى وحده، ويحسن الوقف عليه‏.‏ ويجوز أن يكون من أسلم فاعل فعل مقدر مثل بلى يدخلها من أسلم ‏{‏وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ في الآخرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏113‏]‏

‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏113‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَئ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَئ‏}‏ أي على أمر يصح ويعتد به‏.‏ نزلت لما قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتاهم أحبار اليهود فتناظروا وتقاولوا بذلك‏.‏ ‏{‏وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب‏}‏ الواو للحال، والكتاب للجنس أي‏:‏ قالوا ذلك وهم من أهل العلم والكتاب‏.‏ ‏{‏كذلك‏}‏ مثل ذلك ‏{‏قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ‏}‏ كعبدة الأصنام، والمعطلة‏.‏ وبخهم على المكابرة والتشبه بالجهال‏.‏ فإن قيل‏:‏ لم وبخهم وقد صدقوا، فإن كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء‏؟‏‏.‏ قلت‏:‏ لم يقصدوا ذلك، وإنما قصد به كل فريق إبطال دين الآخر من أصله، والكفر بنبيه وكتابه مع أن ما لم ينسخ منهما حق واجب القبول والعمل به ‏{‏فالله يَحْكُمُ‏}‏ يفصل ‏{‏بَيْنَهُمْ‏}‏ بين الفريقين ‏{‏يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏ بما يقسم لكل فريق ما يليق به من العقاب‏.‏ وقيل حكمه بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏114‏]‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏114‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله‏}‏ عام لكل من خرب مسجداً، أو سعى في تعطيل مكان مرشح للصلاة‏.‏ وإن نزل في الروم لما غزوا بيت المقدس وخربوه وقتلوا أهله‏.‏ أو في المشركين لما منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية ‏{‏أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه‏}‏ ثاني مفعولي منع ‏{‏وسعى فِى خَرَابِهَا‏}‏ بالهدم، أو التعطيل ‏{‏أولئك‏}‏ أي المانعون ‏{‏مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ‏}‏ ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخشوع فضلاً عن أن يجترئوا على تخريبها، أو ما كان الحق أن يدخلوها إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلاً عن أن يمنعوهم منها، أو ما كان لهم في علم الله وقضائه، فيكون وعداً للمؤمنين بالنصرة واستخلاص المساجد منهم وقد نجز وعده‏.‏ وقيل‏:‏ معناه النهي عن تمكينهم من الدخول في المسجد، واختلف الأئمة فيه فجوز أبو حنيفة ومنع مالك، وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره ‏{‏لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ‏}‏ قتل وسبي، أو ذلك بضرب الجزية ‏{‏وَلَهُمْ فِى الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ بكفرهم وظلمهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏115‏]‏

‏{‏وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏115‏)‏‏}‏

‏{‏وَلِلَّهِ المشرق والمغرب‏}‏ يريد بهما ناحيتي الأرض، أي له الأرض كلها لا يختص به مكان، دون مكان، فإن منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام، أو الأقصى فقد جعلت لكم الأرض مسجداً‏.‏ ‏{‏فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ‏}‏ ففي أي مكان فعلتم التولية شطر القبلة ‏{‏فَثَمَّ وَجْهُ الله‏}‏ أي جهته التي أمر بها، فإن إمكان التولية لا يختص بمسجد أو مكان‏.‏ أو ‏{‏فَثَمَّ‏}‏ ذاته‏:‏ أي هو عالم مطلع بما يفعل فيه ‏{‏إِنَّ الله واسع‏}‏ بإحاطته بالأشياء‏.‏ أو برحمته يريد التوسعة على عباده ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها وعن ابن عمر رضي الله عنهما وأنها نزلت في صلاة المسافر على الراحلة‏.‏ وقيل‏:‏ في قوم عميت عليهم القبلة فصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم، وعلى هذا لو أخطأ المجتهد ثم تبين له الخطأ لم يلزمه التدارك‏.‏ وقيل؛ هي توطئة لنسخ القبلة وتنزيه للمعبود أن يكون في حيز وجهة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏116‏]‏

‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ‏(‏116‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا‏}‏ نزلت لما قال اليهود‏:‏ ‏{‏عُزَيْرٌ ابن الله‏}‏ والنصارى‏:‏ ‏{‏المسيح ابن الله‏}‏ ومشركوا العرب‏:‏ الملائكة بنات الله، وعطفه على قالت اليهود، أو منع، أو مفهوم قوله تعالى ومن أظلم‏.‏ وقرأ ابن عامر بغير واو ‏{‏سبحانه‏}‏ تنزيه له عن ذلك، فإنه يقتضي التشبيه والحاجة وسرعة الفناء، ألا ترى أن الأجرام الفلكية مع إمكانها وفنائها لما كانت باقية ما دام العالم، لم تتخذ ما يكون لها كالولد اتخاذ الحيوان والنبات، اختياراً أو طبعاً‏.‏ ‏{‏بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض‏}‏ رد لما قالوه، واستدلال على فساده، والمعنى أنه تعالى خالق ما في السموات والأرض، الذي من جملته الملائكة وعزير والمسيح ‏{‏كُلٌّ لَّهُ قانتون‏}‏ منقادون لا يمتنعون عن مشيئته وتكوينه، وكل ما كان بهذه الصفة لم يجانس مكونه الواجب لذاته‏:‏ فلا يكون له ولد، لأن من حق الولد أن يجانس والده، وإنما جاء بما الذي لغير أولي العلم، وقال قانتون على تغليب أولي العلم تحقيراً لشأنهم، وتنوين كل عوض عن المضاف إليه، أي كل ما فيهما‏.‏ ويجوز أن يراد كل من جعلوه ولداً له مطيعاً مقرون بالعبودية، فيكون إلزاماً بعد إقامة الحجة، والآية مشعرة على فساد ما قالوه من ثلاثة أوجه، واحتج بها الفقهاء على أن من ملك ولده عتق عليه، لأنه تعالى نفى الولد بإثبات الملك، وذلك يقتضي تنافيهما‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏117‏]‏

‏{‏بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ‏(‏117‏)‏‏}‏

‏{‏بَدِيعُ السموات والأرض‏}‏ مبدعهما، ونظيره السميع في قوله‏:‏

أمِنْ ريحانة الداعي السَّميع *** يُؤرِّقُني وأصْحابي هُجُوعُ

أو بديع سمواته وأرضه، من بدع فهو بديع، وهو حجة رابعة‏.‏ وتقريرها أن الوالد عنصر الولد المنفعل بانفصال مادته عنه، والله سبحانه وتعالى مبدع الأشياء كلها، فاعل على الإطلاق، منزه عن الانفعال، فلا يكون والداً‏.‏ والإبداع‏:‏ اختراع الشيء لا عن الشيء دفعة، وهو أليق بهذا الموضوع من الصنع الذي هو‏:‏ تركيب الصور لا بالعنصر، والتكوين الذي يكون بتغيير وفي زمان غالباً‏.‏ وقرئ بديع مجروراً على البدل من الضمير في له‏.‏ وبديع منصوباً على المدح‏.‏

‏{‏وَإِذَا قضى أَمْرًا‏}‏ أي أراد شيئاً، وأصل القضاء إتمام الشيء قوة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقضى رَبُّكَ‏}‏ أو فعلاً كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات‏}‏ وأطلق على تعلق الإِرادة الإِلهية بوجود الشيء من حيث إنه يوجبه‏.‏ ‏{‏فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ من كان التامة بمعنى أحدث فيحدث، وليس المراد به حقيقة أمر وامتثال، بل تمثيل حصول ما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقف‏.‏ وفيه تقرير لمعنى الإِبداع، وإيماء إلى حجة خامسة وهي‏:‏ أن اتخاذ الولد مما يكون بأطوار ومهلة، وفعله تعالى مستغن عن ذلك‏.‏ وقرأ ابن عامر ‏{‏فَيَكُونَ‏}‏ بفتح النون‏.‏ واعلم أن السبب في هذه الضلالة، أن أرباب الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون الأب على الله تعالى باعتبار أنه السبب الأول، حتى قالوا إن الأب هو الرب الأصغر، والله سبحانه وتعالى هو الرب الأكبر، ثم ظنت الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة، فاعتقدوا ذلك تقليداً، ولذلك كُفِّرَ قائله ومنع منه مطلقاً حسماً لمادة الفساد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏118‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‏(‏118‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ أي جهلة المشركين، أو المتجاهلون من أهل الكتاب‏.‏ ‏{‏لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله‏}‏ هلا يكلمنا الله كما يكلم الملائكة، أو يوحي إلينا بأنك رسوله‏.‏ ‏{‏أَوْ تَأْتِينَا آيةٌ‏}‏ حجة على صدقك، والأول استكبار والثاني جحود، لأن ما أتاهم آيات الله استهانة به وعناداً، ‏{‏كذلك قَالَ الذين مِن قَبْلِهِم‏}‏ من الأمم الماضية ‏{‏مِّثْلَ قَوْلِهِمْ‏}‏ فقالوا‏:‏ ‏{‏أَرِنَا الله جَهْرَةً‏}‏ ‏{‏هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ السماء‏}‏ ‏{‏تشابهت قُلُوبُهُمْ‏}‏ قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والعناد‏.‏ وقرئ بتشديد الشين‏.‏ ‏{‏قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏}‏ أي يطلبون اليقين، أو يوقنون الحقائق لا يعتريهم شبهة ولا عناد‏.‏ وفيه إشارة إلى أنهم ما قالوا ذلك لخفاء في الآيات أو لطلب مزيد اليقين، وإنما قالوه عتواً وعناداً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏119‏]‏

‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ‏(‏119‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا أرسلناك بالحق‏}‏ متلبساً مؤيداً به‏.‏ ‏{‏بَشِيراً وَنَذِيراً‏}‏ فلا عليك إن أصروا وكابروا‏.‏ ‏{‏وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أصحاب الجحيم‏}‏ ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت‏.‏ وقرأ نافع ويعقوب‏:‏ لا تَسْأَل، على أنه نهي للرسول صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه‏.‏ أو تعظيم لعقوبة الكفار كأنها لفظاعتها لا يقدر أن يخبر عنها، أو السامع لا يصبر على استماع خبرها فنهاه عن السؤال‏.‏ والجحيم‏:‏ المتأجج من النار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏120‏]‏

‏{‏وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏120‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ‏}‏ مبالغة في إقناط الرسول صلى الله عليه وسلم من إسلامهم، فإنهم إذا لم يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، فكيف يتبعون ملته‏.‏ ولعلهم قالوا مثل ذلك فحكى الله عنهم ولذلك قال‏:‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ تعليماً للجواب‏.‏ ‏{‏إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى‏}‏ أي هدى الله الذي هو الإسلام هو الهدى إلى الحق، لا ما تدعون إليه‏.‏ ‏{‏وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم‏}‏ آراءهم الزائفة‏.‏ والملة ما شرعه الله تعالى لعباده على لسان أنبيائه، من أمللت الكتاب إذا أمليته، والهوى‏:‏ رأي يتبع الشهوة ‏{‏بَعْدَ الذي جَاءَكَ مِنَ العلم‏}‏ أي الوحي، أو الدين المعلوم صحته‏.‏ ‏{‏مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ‏}‏ يدفع عنك عقابه وهو جواب لئن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏121- 121‏]‏

‏{‏الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏121‏)‏‏}‏

‏{‏الذين ءاتيناهم الكتاب‏}‏ يريد به مؤمني أهل الكتاب ‏{‏يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ‏}‏ بمراعاة اللفظ عن التحريف والتدبر في معناه والعمل بمقتضاه، وهو حال مقدرة والخبر ما بعده، أو خبر على أن المراد بالموصول مؤمنوا أهل الكتاب ‏{‏أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏}‏ بكتابهم دون المحرفين‏.‏ ‏{‏وَمن يَكْفُرْ بِهِ‏}‏ بالتحريف والكفر بما يصدقه ‏{‏فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون‏}‏ حيث اشتروا الكفر بالإيمان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏122- 123‏]‏

‏{‏يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏122‏)‏ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏123‏)‏‏}‏

‏{‏يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِى التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين‏}‏ ‏{‏واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شفاعة وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏ لما صدر قصتهم بالأمر بذكر النعم، والقيام بحقوقها، والحذر من إضاعتها، والخوف من الساعة وأهوالها، كرر ذلك وختم به الكلام معهم مبالغة في النصح، وإيذاناً بأنه فذلكة القضية والمقصود من القصة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏124‏]‏

‏{‏وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ‏(‏124‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات‏}‏ كلفه بأوامر ونواه، والابتلاء في الأصل التكليف بالأمر الشاق من البلاء، لكنه لما استلزم الاختبار بالنسبة إلى من يجهل العواقب ظن ترادفهما، والضمير لإبراهيم، وحسن لتقدمه لفظاً وإن تأخر رتبة، لأن الشرط أحد التقدمين، والكلمات قد تطلق على المعاني فلذلك فسرت بالخصال الثلاثين المحمودة المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏التائبون العابدون‏}‏ الآية وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ المسلمين والمسلمات‏}‏ إلى آخر الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ هُمُ الوارثون‏}‏ كما فسرت بها في قوله‏:‏ ‏{‏فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ‏}‏ وبالعشر التي هي من سننه، وبمناسك الحج؛ وبالكواكب، والقمرين، والختان، وذبح الولد، والنار، والهجرة‏.‏ على أنه تعالى عامله بها معاملة المختبر بهن وبما تضمنته الآيات التي بعدها‏.‏ وقرئ إبراهيم ربه على أنه دعا ربه بكلمات مثل ‏{‏أَرني كيف تُحيي المَوتَى‏}‏ ‏{‏واجعل هذا البلد امِنًا‏}‏ ليرى هل يجيبه‏.‏ وقرأ ابن عامر إبراهام بالألف جميع ما في هذه السورة‏.‏ ‏{‏فَأَتَمَّهُنَّ‏}‏ فأداهن كملاً وقام بهن حق القيام، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإبراهيم الذى وفى‏}‏ وفي القراءة الأخيرة الضمير لربه، أي أعطاه جميع ما دعاه‏.‏ ‏{‏قَالَ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا‏}‏ استئناف إن أضمرت ناصب إذ كأنه قيل‏:‏ فماذا قال ربه حين أتمهن، فأجيب بذلك‏.‏ أو بيان لقوله ابتلى فتكون الكلمات ما ذكره من الإمامة، وتطهير البيت، ورفع قواعده، والإسلام‏.‏ وإن نصبته يقال فالمجموع جملة معطوفة على ما قبلها، أو جاعل من جعل الذي له مفعولان، والإمام اسم لمن يؤتم به وإمامته عامة مؤبدة، إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته مأموراً باتباعه‏.‏ ‏{‏قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِي‏}‏ عطف على الكاف أي وبعض ذريتي، كما تقول‏:‏ وزيداً، في جواب‏:‏ سأكرمك، والذرية نسل الرجل، فعلية أو فعولة قلبت راؤها الثانية ياء كما في تقضيت‏.‏ من الذر بمعنى التفريق، أو فعولة أو فعيلة قلبت همزتها من الذرة بمعنى الخلق‏.‏ وقرئ ذريتي بالكسر وهي لغة‏.‏ ‏{‏قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين‏}‏ إجابة إلى ملتمسه، وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة، وأنهم لا ينالون الإمامة لأنها أمانة من الله تعالى وعهد، والظالم لا يصلح لها، وإنما ينالها البررة الأتقياء منهم‏.‏ وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة، وأن الفاسق لا يصلح للإمامة‏.‏ وقرئ «الظالمون» والمعنى واحد إذ كل ما نالك فقد نلته‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏125‏]‏

‏{‏وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ‏(‏125‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ جَعَلْنَا البيت‏}‏ أي الكعبة، غلب عليها كالنجم على الثريا‏.‏ ‏{‏مَثَابَةً لّلنَّاسِ‏}‏ مرجعاً يثوب إليه أعيان الزوار أو أمثالهم، أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره‏.‏ وقرئ‏:‏ «مثابات» أي لأنه مثابة كل أحد‏.‏ ‏{‏وَأَمْناً‏}‏ وموضع أمن لا يتعرض لأهله كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَرَماً ءامِناً‏}‏ ويتخطف الناس من حولهم، أو يأمن حاجَّهُ من عذاب الآخرة من حيث إن الحج يجب ما قبله، أولاً يؤاخذ الجاني الملتجئ إليه حتى يخرج، وهو مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه‏.‏ ‏{‏واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى‏}‏ على إرادة القول، أو عطف على المقدر عاملاً لإذ، أو اعتراض معطوف على مضمر تقديره توبوا إليه واتخذوا، على أن الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أمر استحباب، ومقام إبراهيم هو الحجر الذي فيه أثر قدمه، أو الموضع الذي كان فيه الحجر حين قام عليه ودعا الناس إلى الحج، أو رفع بناء البيت وهو موضعه اليوم‏.‏ روي أنه عليه الصلاة والسلام أخذ بيد عمر رضي الله تعالى عنه وقال‏:‏ ‏"‏ هذا مقام إبراهيم، فقال عمر‏:‏ أفلا نتخذه مصلى، فقال‏:‏ لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت ‏"‏ وقيل‏:‏ المراد به الأمر بركعتي الطواف، لما روى جابر أنه عليه الصلاة والسلام‏:‏ لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ‏:‏ ‏{‏واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى‏}‏ وللشافعي رحمه الله تعالى في وجوبهما قولان‏.‏ وقيل‏:‏ مقام إبراهيم الحرم كله‏.‏ وقيل‏:‏ مواقف الحج واتخاذها مصلى أن يدعى فيها، ويتقرب إلى الله تعالى‏.‏ وقرأ نافع وابن عامر ‏{‏واتخذوا‏}‏ بلفظ الماضي عطفاً على ‏{‏جَعَلْنَا‏}‏، أي‏:‏ واتخذوا الناس مقامه الموسوم به، يعني الكعبة قبلة يصلون إليها‏.‏ ‏{‏وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل‏}‏ أمرناهما‏.‏ ‏{‏أَن طَهّرَا بَيْتِيَ‏}‏ ويجوز أن تكون أن مفسرة لتضمن العهد معنى القول، يريد طهراه من الأوثان والأنجاس وما لا يليق به، أو أخلصاه‏.‏ ‏{‏لِلطَّائِفِينَ‏}‏ حوله‏.‏ ‏{‏والعاكفين‏}‏ المقيمين عنده، أو المعتكفين فيه ‏{‏والركع السجود‏}‏‏.‏ أي المصلين، جمع راكع وساجد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏126‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏126‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجعل هذا‏}‏ يريد به البلد، أو المكان‏.‏ ‏{‏بَلَدًا آمِنًا‏}‏ ذا أمن كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ‏}‏ أو آمناً أهله كقولك‏:‏ ليل نائم ‏{‏وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بالله واليوم الآخر‏}‏ أبدل من ‏{‏مَنْ ءامَنَ‏}‏ ‏{‏أَهْلِهِ‏}‏ بدل البعض للتخصيص ‏{‏قَالَ وَمَن كَفَرَ‏}‏ عطف على من ‏{‏آمن‏}‏ والمعنى وارزق من كفر، قاس إبراهيم عليه الصلاة والسلام الرزق على الإِمامة، فنبه سبحانه على أن الرزق رحمة دنيوية تعم المؤمن والكافر، بخلاف الإمامة والتقدم في الدين‏.‏ أو مبتدأ متضمن معنى الشرط ‏{‏فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً‏}‏ خبره، والكفر وإن لم يكن سبباً للتمتيع لكنه سبب لتقليله، بأن يجعله مقصوراً بحظوظ الدنيا غير متوسل به إلى نيل الثواب، ولذلك عطف عليه ‏{‏ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار‏}‏ أي ألزه إليه لز المضطر لكفره وتضييعه ما متعته به من النعم، وقليلاً نصب على المصدر، أو الظرف‏.‏ وقرئ بلفظ الأمر فيهما على أنه من دعاء إبراهيم وفي قال ضميره‏.‏ وقرأ ابن عامر ‏{‏فَأُمَتّعُهُ‏}‏ من أمتع‏.‏ وقرئ «فنمتعه» ثم نضطره، و«إضطره» بكسر الهمزة على لغة من يكسر حروف المضارعة، و«أضطره» بإدغام الضاد وهو ضعيف لأن حروف ‏(‏ضم شفر‏)‏ يدغم فيها ما يجاورها دون العكس‏.‏

‏{‏وَبِئْسَ المصير‏}‏ المخصوص بالذم محذوف، وهو العذاب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏127‏]‏

‏{‏وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏127‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت‏}‏ حكاية حال ماضية، و‏{‏القواعد‏}‏ جمع قاعدة وهي الأساس صفة غالبة من القعود، بمعنى الثبات، ولعله مجاز من المقابل للقيام، ومنه قعدك الله، ورفعها البناء عليها فإنه ينقلها عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، ويحتمل أن يراد بها سافات البناء فإن كل ساف قاعدة ما يوضع فوقه ويرفعها بناؤها‏.‏ وقيل المراد رفع مكانته وإظهار شرفه بتعظيمه، ودعاء الناس إلى حجه‏.‏ وفي إبهام القواعد وتبيينها تفخيم لشأنها‏.‏ ‏{‏وإسماعيل‏}‏ كان يناوله الحجارة، ولكنه لما كان له مدخل في البناء عطف عليه‏.‏ وقيل‏:‏ كانا يبنيان في طرفين، أو على التناوب‏.‏ ‏{‏رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا‏}‏ أي يقولان ربنا تقبل منا، وقد قرئ به والجملة حال منهما‏.‏ ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ السميع‏}‏ لدعائنا ‏{‏العليم‏}‏ بنياتنا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏128- 129‏]‏

‏{‏رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏128‏)‏ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏129‏)‏‏}‏

‏{‏رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ‏}‏ مخلصين لك، من أسلم وجهه، أو مستسلمين من أسلم إذا استسلم وانقاد، والمراد طلب الزيادة في الإخلاص والإذعان، أو الثبات عليه‏.‏ وقرئ ‏{‏مُسْلِمِينَ‏}‏ على أن المراد أنفسهما وهاجر‏.‏ أو أن التثنية من مراتب الجمع‏.‏ ‏{‏وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ‏}‏ أي واجعل بعض ذريتنا، وإنما خصا الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع، وخصا بعضهم لما أعلما أن في ذريتهما ظلمة، وعلما أن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتفاق على الإخلاص والإقبال الكلي على الله تعالى، فإنه مما يشوش المعاش، ولذلك قيل‏:‏ لولا الحمقى لخربت الدنيا، وقيل‏:‏ أراد بالأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن تكون من للتبيين كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ‏}‏ قدم على المبين وفصل به بين العاطف والمعطوف كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خَلَقَ سَبْعَ سموات وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ‏}‏‏.‏ ‏{‏وَأَرِنَا‏}‏ من رأى بمعنى أبصر، أو عرف، ولذلك لم يتجاوز مفعولين ‏{‏مَنَاسِكَنَا‏}‏ متعبداتنا في الحج، أو مذابحنا‏.‏ والنسك في الأصل غاية العبادة، وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن العادة‏.‏ وقرأ ابن كثير والسوسي عن أبي عمرو ويعقوب ‏{‏أَرِنَا‏}‏‏.‏، قياساً على فخذ في فخذ، وفيه إجحاف لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها‏.‏ وقرأ الدوري عن أبي عمرو بالاختلاس ‏{‏وَتُبْ عَلَيْنَا‏}‏ استتابة لذريتهما، أو عما فرط منهما سهواً‏.‏ ولعلهما قالا هضما لأنفسهما وإرشادً لذريتهما ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم‏}‏ لمن تاب‏.‏ ‏{‏رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ‏}‏ في الأمة المسلمة ‏{‏رَسُولاًمِّنْهُمْ‏}‏ ولم يبعث من ذريتهما غير محمد صلى الله عليه وسلم، فهو المجاب به دعوتهما كما قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «أنا دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي» ‏{‏يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك‏}‏ يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل التوحيد والنبوة‏.‏ ‏{‏وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب‏}‏ القرآن‏.‏ ‏{‏والحكمة‏}‏ ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام‏.‏ ‏{‏وَيُزَكّيهِمْ‏}‏ عن الشرك والمعاصي ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ العزيز‏}‏ الذي لا يقهر ولا يغلب على ما يريد ‏{‏الحكيم‏}‏ المحكم له‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏130‏]‏

‏{‏وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏130‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم‏}‏ استبعاد وإِنكار لأن يكون أحد يرغب عن ملته الواضحة الغراء، أي لا يرغب أحد من ملته‏.‏ ‏{‏إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ‏}‏ إلا من استمهنها وأذلها واستخف بها‏.‏ قال المبرد وثعلب سفه بالكسر متعد وبالضم لازم، ويشهد له ما جاء في الحديث «الكبر أن تسفه الحق، وتغمص الناس»‏.‏ وقيل‏:‏ أصله سفه نفسه على الرفع، فنصب على التمييز نحو غبن رأيه وألم رأسه، وقول النابغة الذبياني‏:‏

وَنأْخُذُ بَعْدَهُ بِذنَابِ عَيْش *** أَجَب الظَّهْرِ ليسَ لَهُ سِنَامُ

أو سفه في نفسه، فنصب بنزع الخافض‏.‏ والمستثنى في محل الرفع على المختار بدلاً من الضمير في يرغب لأنه في معنى النفي‏.‏ ‏{‏وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا وَإِنَّهُ فِى الآخرة لَمِنَ الصالحين‏}‏ حجة وبيان لذلك، فإن من كان صفوة العباد في الدنيا مشهوداً له بالاستقامة والصلاح يوم القيامة، كان حقيقاً بالاتباع له لا يرغب عنه إلا سفيه، أو متسفه أذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏131‏]‏

‏{‏إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏131‏)‏‏}‏

‏{‏إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين‏}‏ ظرف ل ‏{‏اصطفيناه‏}‏، أو تعليل له، أو منصوب بإضمار اذكر‏.‏ كأنه قيل‏:‏ اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح المستحق للإمامة والتقدم، وأنه نال ما نال بالمبادرة إلى الإذعان وإخلاص السر حين، دعاه ربه وأخطر بباله دلائله المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام‏.‏ روي أنها نزلت لما دعا عبد الله بن سلام ابني أخيه‏:‏ سلمة ومهاجراً إلى الإسلام، فأسلم سلمة وأبى مهاجر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏132‏]‏

‏{‏وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏132‏)‏‏}‏

‏{‏ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ‏}‏ التوصية هي التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقربة، وأصلها الوصل يقال‏:‏ وصاه إذا وصله، وفصاه‏:‏ إذا فصله، كأن الموصي يصل فعله بفعل الموصى، والضمير في بها للملة، أو لقوله أسلمت على تأويل الكلمة، أو الجملة وقرأ نافع وابن عامر وأوصى والأول أبلغ ‏{‏وَيَعْقُوبَ‏}‏ عطف على إبراهيم، أي ووصى هو أيضاً بها بنيه‏.‏ وقرئ بالنصب على أنه ممن وصاه إبراهيم ‏{‏يَا بَنِيَّ‏}‏‏.‏ على إضمار القول عند البصريين، متعلق بوصى عند الكوفيين لأنه نوع منه ونظيره‏:‏

رَجُلاَنِ مِنْ ضَبَّةَ أخْبَرَانا *** أَنَّا رأَيْنَا رَجُلاً عريَانا

بالكسر، وبنو إبراهيم كانوا أربعة‏:‏ إسماعيل وإسحاق ومدين ومدان‏.‏ وقيل‏:‏ ثمانية‏.‏ وقيل‏:‏ أربعة عشر‏:‏ وبنو يعقوب إثنا عشر‏:‏ روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا ويشسوخور وبولون وتفتوني ودون وكودا وأوشير وبنيامين ويوسف ‏{‏إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين‏}‏ دين الإسلام الذي هو صفوة الأديان لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏ ظاهره النهي عن الموت على خلاف حال الإِسلام، والمقصود هو النهي عن أن يكونوا على خلاف تلك الحال إذا ماتوا، والأمر بالثبات على الإسلام كقولك‏:‏ لا تصلِّ إلا وأنت خاشع، وتغيير العبارة للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موت لا خير فيه، وأن من حقه أن لا يحل بهم، ونظيره في الأمر مت وأنت شهيد‏.‏ وروي أن اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية يوم مات فنزلت‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏133‏]‏

‏{‏أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏133‏)‏‏}‏

‏{‏أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت‏}‏ أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار، أي ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت وقال لبنيه ما قال فلم تدعون اليهودية عليه، أو متصلة بمحذوف تقديره أكنتم غائبين أم كنتم شاهدين‏.‏ وقيل‏:‏ الخطاب للمؤمنين والمعنى ما شاهدتم ذلك وإنما علمتموه بالوحي وقرئ ‏{‏حَضِرَ‏}‏ بالكسر‏.‏

‏{‏إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ‏}‏ بدل من ‏{‏إِذْ حَضَرَ‏}‏‏.‏ ‏{‏مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي‏}‏ أي‏:‏ شيء تعبدونه، أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما، وما يسأل به عن كل شيء ما لم يعرف، فإذا عرف خص العقلاء بمن إذا سئل عن تعيينه، وإن سئل عن وصفه قيل‏:‏ ما زيد أفقيه أم طبيب‏؟‏‏.‏ ‏{‏قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق‏}‏ المتفق على وجوده وألوهيته ووجوب عبادته، وعد إسماعيل من آبائه تغليباً للأب والجد، أو لأنه كالأب لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏ عمُّ الرجل صِنْوُ أبيه ‏"‏ كما قال عليه الصلاة والسلام في العباس رضي الله عنه ‏"‏ هذا بقية آبائي ‏"‏ وقرئ «إله أبيك»، على أنه جمع بالواو والنون كما قال‏:‏

وَلَما تَبَيَّنَّ أَصوَاتَنا *** بَكَيْنَ وَفَدينَنا بالأَبينا

أو مفرد وإبراهيم وحده عطف بيان‏.‏

‏{‏إلها واحدا‏}‏ بدل من إله آبائك كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بالناصية نَاصِيَةٍ كاذبة‏}‏ وفائدته التصريح بالتوحيد، ونفي التوهم الناشئ من تكرير المضاف لتعذر العطف على المجرور والتأكيد، أو نصب على الاختصاص ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏ حال من فاعل نعبد، أو مفعوله، أو منهما، ويحتمل أن يكون اعتراضاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏134‏]‏

‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏134‏)‏‏}‏

‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ‏}‏ يعني إِبراهيم ويعقوب وبنيهما، والأمة في الأصل المقصود وسمي بها الجماعة، لأن الفرق تؤمها‏.‏ ‏{‏لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم‏}‏ لكل أجر عمله، والمعنى أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم، كما قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم» ‏{‏وَلاَ تُسْأََلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ أي لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏135‏]‏

‏{‏وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏135‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَو نصارى‏}‏ الضمير الغائب لأهل الكتاب وأو للتنويع، والمعنى مقالتهم أحد هذين القولين‏.‏ قالت اليهود‏:‏ كونوا هوداً‏.‏ وقال النصارى كونوا نصارى ‏{‏تَهْتَدُواْ‏}‏ جواب الأمر‏.‏ ‏{‏قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم‏}‏ أي بل تكون ملة إبراهيم، أي أهل ملته، أو بل نتبع ملة إبراهيم‏.‏ وقرئ بالرفع أي ملته ملتنا، أو عكسه، أو نحن ملته بمعنى نحن أهل ملته‏.‏ ‏{‏حَنِيفاً‏}‏ مائلاً عن الباطل إلى الحق‏.‏ حال من المضاف، أو المضاف إليه كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا‏}‏ ‏{‏وَمَا كَانَ مِنَ المشركين‏}‏ تعريض بأهل الكتاب وغيرهم، فإنهم يدعون اتباعه وهم مشركون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏136‏]‏

‏{‏قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏136‏)‏‏}‏

‏{‏قُولُواْ ءامَنَّا بالله‏}‏ الخطاب للمؤمنين لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ‏}‏ ‏{‏وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا‏}‏ القرآن، قدم ذكره لأنه أول بالإضافة إلينا، أو سبب للإيمان بغيره ‏{‏وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط‏}‏ الصحف، وهي وإن نزلت إلى إبراهيم لكنهم لما كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها فهي أيضاً منزلة إليهم، كما أن القرآن منزل إلينا، والأسباط جمع سبط وهو الحافد، يريد به حفدة يعقوب، أو أبناءه وذراريهم فإنهم حفدة إبراهيم وإسحاق ‏{‏وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى‏}‏ التوراة والإِنجيل، أفردهما بالذكر بحكم أبلغ لأن أمرهما بالإِضافة إلى موسى وعيسى مغاير لما سبق، والنزاع وقع فيهما ‏{‏وَمَا أُوتِيَ النبيون‏}‏ جملة المذكورين منهم وغير المذكورين‏.‏ ‏{‏مّن رَّبّهِمُ‏}‏ منزلاً عليهم من ربهم‏.‏ ‏{‏لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ‏}‏ كاليهود، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض، وأحد لوقوعه في سياق النفي عام فساغ أن يضاف إليه بين‏.‏ ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ‏}‏ أي لله‏.‏ ‏{‏مُّسْلِمُونَ‏}‏ مذعنون مخلصون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏137‏]‏

‏{‏فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏137‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهتدوا‏}‏ من باب التعجيز والتبكيت، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ‏}‏ إذ لا مثل لما آمن به المسلمون، ولا دين كدين الإسلام‏.‏ وقيل‏:‏ الباء للآلة دون التعدية، والمعنى إن تحروا الإيمان بطريق يهدي إلى الحق مثل طريقكم، فإن وحدة المقصد لا تأبى تعدد الطرق، أو مزيدة للتأكيد كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا‏}‏ والمعنى فإن آمنوا بالله إيماناً مثل إيمانكم به، أو المثل مقحم كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِهِ‏}‏ أي عليه، ويشهد له قراءة من قرأ بما آمنتم به أو بالذي آمنتم به ‏{‏وَّإِنْ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ‏}‏ أي إن أعرضوا عن الإيمان، أو عما تقولون لهم فما هم إلا في شقاق الحق، وهو المناوأة والمخالفة، فإن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر ‏{‏فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله‏}‏ تسلية وتسكين للمؤمنين، ووعد لهم بالحفظ والنصرة على من ناوأهم ‏{‏وَهُوَ السميع العليم‏}‏ إما من تمام الوعد، بمعنى أنه يسمع أقوالكم ويعلم إخلاصكم وهو مجازيكم لا محالة، أو وعيد للمعرضين، بمعنى أنه يسمع ما يبدون ويعلم ما يخفون وهو معاقبهم عليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏138‏]‏

‏{‏صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ‏(‏138‏)‏‏}‏

‏{‏صِبْغَةَ الله‏}‏ أي صبغنا الله صبغته، وهي فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة حلية المصبوغ، أو هدانا الله هدايته وأرشدنا حجته، أو طهر قلوبنا بالإِيمان تطهيره، وسماه صبغة لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ، وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب، أو للمشاكلة، فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون‏:‏ هو تطهير لهم وبه تتحقق نصرانيتهم، ونصبها على أنه مصدر مؤكد لقوله ‏{‏آمنا‏}‏، وقيل‏:‏ على الإغراء، وقيل‏:‏ على البدل من ملة إبراهيم عليه السلام‏.‏

‏{‏وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً‏}‏ لا صبغة أحسن من صبغته ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ عابدون‏}‏ تعريض بهم، أي لا نشرك به كشرككم‏.‏ وهو عطف على آمنا، وذلك يقتضي دخول قوله ‏{‏صِبْغَةَ الله‏}‏ في مفعول ‏{‏قُولُواْ‏}‏ ولمن ينصبها على الإغراء، أو البدل أن يضمر قولوا معطوفاً على الزموا، أو اتبعوا ملة إبراهيم و‏{‏قُولُواْ ءامَنَّا‏}‏ بدل اتبعوا، حتى لا يلزم فك النظم وسوء الترتيب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏139‏]‏

‏{‏قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ‏(‏139‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا‏}‏ أتجادلوننا‏.‏ ‏{‏فِى الله‏}‏ في شأنه واصطفائه نبياً من العرب دونكم، روي أن أهل الكتاب قالوا‏:‏ الأنبياء كلهم منا، لو كنت نبياً لكنت منا‏.‏ فنزلت‏:‏ ‏{‏وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ‏}‏ لا اختصاص له بقوم دون قوم، يصيب برحمته من يشاء من عباده‏.‏ ‏{‏وَلَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم‏}‏ فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا، كأنه ألزمهم على كل مذهب ينتحلونه إفحاماً وتبكيتاً، فإن كرامة النبوة إما تفضل من الله على من يشاء والكل فيه سواء، وإما إفاضة حق على المستعدين لها بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالإخلاص‏.‏ وكما أن لكم أعمالاً ربما يعتبرها الله في إعطائها، فلنا أيضاً أعمال‏.‏ ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ‏}‏ موحدون نخصه بالإيمان والطاعة دونكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏140‏]‏

‏{‏أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏140‏)‏‏}‏

‏{‏أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نصارى‏}‏ أم منقطعة والهمزة للإنكار‏.‏ وعلى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص بالتاء يحتمل أن تكون معادلة للهمزة في ‏{‏أَتُحَاجُّونَنَا‏}‏ بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة، أو ادعاء اليهودية، أو النصرانية على الأنبياء‏.‏ ‏{‏قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله‏}‏ وقد نفي الأمرين عن إبراهيم بقوله‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا‏}‏ واحتج عليه بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ‏}‏ وهؤلاء المعطوفون عليه أتباعه في الدين وفاقاً‏.‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شهادة عِندَهُ مِنَ الله‏}‏ يعني شهادة الله لإِبراهيم بالحنيفية والبراءة عن اليهودية والنصرانية، والمعنى لا أحد أظلم من أهل الكتاب، لأنهم كتموا هذه الشهادة‏.‏ أو منا لو كتمنا هذه الشهادة، وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد عليه الصلاة والسلام بالنبوة في كتبهم وغيرها، ومن للابتداء كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ‏}‏ ‏{‏وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ وعيد لهم، وقرئ بالياء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏141‏]‏

‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏141‏)‏‏}‏

‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم وَلاَ تُسْأََلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ تكرير للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء والاتكال عليهم‏.‏ قيل‏:‏ الخطاب فيما سبق لهم، وفي هذه الآية لنا تحذيراً عن الاقتداء بهم‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالأمة في الأول الأنبياء، وفي الثاني أسلاف اليهود والنصارى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏142‏]‏

‏{‏سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏142‏)‏‏}‏

‏{‏سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس‏}‏ الذين خفت أحلامهم، واستمهنوها بالتقليد والإعراض عن النظر‏.‏ يريد به المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين‏.‏ وفائدة تقديم الإِخبار به توطين النفس وإعداد الجواب وإظهار المعجزة‏.‏ ‏{‏مَا ولاهم‏}‏ ما صرفهم‏.‏ ‏{‏عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا‏}‏ يعني بيت المقدس، والقبلة في الأصل الحالة التي عليها الإِنسان من الاستقبال، فصارت عرفاً للمكان المتوجه نحوه للصلاة ‏{‏قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب‏}‏ لا يختص به مكان دون مكان بخاصية ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه، وإنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان ‏{‏يَهْدِى مَن يَشَآءُ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ وهو ما ترتضيه الحكمة، وتقتضيه المصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة، والكعبة أخرى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏143‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏143‏)‏‏}‏

‏{‏وكذلك‏}‏ إشارة إلى مفهوم الآية المتقدمة، أي كما جعلناكم مهديين إلى الصراط المستقيم، أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل‏.‏ ‏{‏جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا‏}‏ أي خياراً، أو عدولاً مزكين بالعلم والعمل‏.‏ وهو في الأصل اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط، كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، ثم أطلق على المتصف بها، مستوياً فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث كسائر الأسماء التي وصف بها، واستدل به على أن الإجماع حجة إذ لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لانثلمت به عدالتهم ‏{‏لّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا‏}‏ علة للجعل، أي لتعلموا بالتأمل فيما نصب لكم من الحجج، وأنزل عليكم من الكتاب أنه تعالى ما بخل على أحد وما ظلم، بل أوضح السبل وأرسل الرسل، فبلغوا ونصحوا‏.‏ ولكن الذين كفروا حملهم الشقاء على اتباع الشهوات، والإِعراض عن الآيات، فتشهدون بذلك على معاصريكم وعلى الذين من قبلكم، أو بعدكم‏.‏ روي «أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالبهم الله ببينة التبليغ وهو أعلم بهم إقامة للحجة على المنكرين، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون، فتقول الأمم من أين عرفتم‏؟‏ فيقولون‏:‏ علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته، فيشهد بعدالتهم» وهذه الشهادة وإن كانت لهم لكن لما كان الرسول عليه السلام كالرقيب المهيمن على أمته عدى بعلى، وقدمت الصلة للدلالة على اختصاصهم يكون الرسول شهيداً عليهم‏.‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا‏}‏ أي الجهة التي كنت عليها، وهي الكعبة فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي إليها بمكة، ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى الصخرة تألفاً لليهود‏.‏ أو الصخرة لقول ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ «كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينها» فالمخبر به على الأول الجعل الناسخ، وعلى الثاني المنسوخ‏.‏ والمعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس‏.‏

‏{‏إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ‏}‏ إلا لنمتحن به الناس ونعلم من يتبعك في الصلاة إليها، ممن يرتد عن دينك إلفاً لقبلة آبائه‏.‏ أو لنعلم الآن من يتبع الرسول ممن لا يتبعه، وما كان لعارض يزول بزواله‏.‏ وعلى الأول معناه‏:‏ ما رددناك إلى التي كنت عليها، إلا لنعلم الثابت على الإِسلام ممن ينكص على عقبيه لقلقه وضعف إيمانه‏.‏ فإن قيل‏:‏ كيف يكون علمه تعالى غاية الجعل وهو لم يزل عالماً‏.‏ قلت‏:‏ هذا وأشباهه باعتبار التعلق الحالي الذي هو مناط الجزاء، والمعنى ليتعلق علمنا به موجوداً‏.‏

وقيل‏:‏ ليعلم رسوله والمؤمنون لكنه أسنده إلى نفسه لأنهم خواصه، أو لتميز الثابت من المتزلزل كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب‏}‏ فوضع العلم موضع التمييز المسبب عنه، ويشهد له قراءة ليعلم على البناء للمفعول، والعلم إما بمعنى المعرفة، أو معلق لما في مَنْ من معنى الاستفهام، أو مفعوله الثاني ممن ينقلب، أي لنعلم من يتبع الرسول متميزاً ممن ينقلب‏.‏ ‏{‏وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً‏}‏ إن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفاصلة‏.‏ وقال الكوفيون هي النافية واللام بمعنى إلا‏.‏ والضمير لما دل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا‏}‏ من الجعلة، أو الردة، أو التولية، أو التحويلة، أو القبلة‏.‏ وقرئ لكبيرةٌ بالرفع فتكون كان زائدة ‏{‏إِلاَّ على الَّذِينَ هُدَى الله‏}‏ إلى حكمة الأحكام الثابتين على الإيمان والاتباع ‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم‏}‏ أي ثباتكم على الإيمان‏.‏ وقيل‏:‏ إيمانكم بالقبلة المنسوخة، أو صلاتكم إليها لما روي‏:‏ أنه عليه السلام لما وجه إلى الكعبة قالوا‏:‏ كيف بمن مات يا رسول الله قبل التحويل من إخواننا فنزلت ‏{‏إِنَّ الله بالناس لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏ فلا يضيع أجورهم ولا يدع صلاحهم، ولعله قدم الرؤوف وهو أبلغ محافظة على الفواصل وقرأ الحرميان وابن عامر وحفص لرؤوف بالمد، والباقون بالقصر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏144‏]‏

‏{‏قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ‏(‏144‏)‏‏}‏

‏{‏قَدْ نرى‏}‏ ربما نرى ‏{‏تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء‏}‏ تردد وجهك في جهة السماء تطلعاً للوحي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع في روعه ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وأقدم القبلتين وأدعى للعرب إلى الإِيمان، ولمخالفة اليهود، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل ‏{‏فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً‏}‏ فلنمكننك من استقبالها من قولك‏:‏ وليته كذا، إذا صيرته والياً له، أو فلنجعلنك تلي جهتها ‏{‏تَرْضَاهَا‏}‏ تحبها وتتشوق إليها، لمقاصد دينية وافقت مشيئة الله وحكمته‏.‏ ‏{‏فَوَلّ وَجْهَكَ‏}‏ اصرف وجهك‏.‏ ‏{‏شَطْرَ المسجد الحرام‏}‏ نحوه‏.‏ وقيل‏:‏ الشطر في الأصل لما انفصل عن الشيء إذا انفصل، ودار شطور‏:‏ أي منفصلة عن الدور، ثم استعمل لجانبه، وإن لم ينفصل كالقطر، والحرام المحرم أي محرم فيه القتال، أو ممنوع من الظلمة أن يتعرضوه، وإنما ذكر المسجد دون الكعبة لأنه عليه الصلاة والسلام كان في المدينة، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها حرج عليه بخلاف القريب‏.‏ روي‏:‏ أنه عليه الصلاة والسلام قدم المدينة، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين‏.‏ وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمي المسجد مسجد القبلتين‏.‏ ‏{‏وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ‏}‏ خص الرسول بالخطاب تعظيماً له وإيجاباً لرغبته، ثم عمم تصريحاً بعموم الحكم وتأكيداً لأمر القبلة وتحضيضاً للأمة على المتابعة‏.‏ ‏{‏وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ‏}‏ جملة لعلمهم بأن عادته تعالى تخصيص كل شريعة بقبلة، وتفصيلاً لتضمن كتبهم أنه صلى الله عليه وسلم يصلي إلى القبلتين، والضمير للتحويل أو التوجه ‏{‏وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ وعد ووعيد للفريقين‏.‏ وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالياء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏145‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏145‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب بِكُلّ ءايَةٍ‏}‏ برهان وحجة على أن الكعبة قبلة، واللام موطئة للقسم ‏{‏مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ‏}‏ جواب للقسم المضمر، والقسم وجوابه ساد مسد جواب الشرط، والمعنى ما تركوا قبلتك لشبهة تزيلها بالحجة، وإنما خالفوك مكابرة وعناداً‏.‏ ‏{‏وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ‏}‏ قطع لأطماعهم، فإنهم قالوا‏:‏ لو ثبتَ على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره، تغريراً له وطَمعاً في رجوعه، وقبلتهم وإن تعددت لكنها متحدة بالبطلان ومخالفة الحق‏.‏ ‏{‏وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ‏}‏ فإن اليهود تستقبل الصخرة، والنصارى مطلع الشمس‏.‏ لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك، لتصلب كل حزب فيما هو فيه ‏{‏وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم‏}‏ على سبيل الفرض والتقدير، أي‏:‏ ولئن اتبعتهم مثلاً بعدما بان لك الحق وجاءك فيه الوحي ‏{‏إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين‏}‏ وأكد تهديده وبالغ فيه من سبعة أوجه‏:‏ أحدها‏:‏ الإِتيان باللام الموطئة للقسم‏.‏ ثانيها‏:‏ القسم المضمر‏.‏ ثالثها‏:‏ حرف التحقيق وهو أن‏.‏ رابعها‏:‏ تركيبه من جملة فعلية وجملة اسمية‏.‏ وخامسها‏:‏ الإِتيان باللام في الخبر‏.‏ وسادسها‏:‏ جعله من ‏{‏الظالمين‏}‏، ولم يقل إنك ظالم لأن في الاندراج معهم إيهاماً بحصول أنواع الظلم‏.‏ وسابعها‏:‏ التقييد بمجيء العلم تعظيماً للحق المعلوم، وتحريضاً على اقتفائه وتحذيراً عن متابعة الهوى، واستفظاعاً لصدور الذنب عن الأنبياء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏146‏]‏

‏{‏الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏146‏)‏‏}‏

‏{‏الذين ءاتيناهم الكتاب‏}‏ يعني علماءهم ‏{‏يَعْرِفُونَهُ‏}‏ الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لم يسبق ذكره لدلالة الكلام عليه‏.‏ وقيل للعلم، أو القرآن، أو التحويل ‏{‏كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ‏}‏ يشهد للأول‏:‏ أي يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبناءهم لا يلتبسون عليهم بغيرهم‏.‏ عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه سأل عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أنا أعلم به مني بابني قال‏:‏ ولم، قال‏:‏ لأني لست أشك في محمد أنه نبي فأما ولدي فلعل والدته قد خانت‏.‏ ‏{‏وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ تخصيص لمن عاند واستثناء لمن آمن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏147‏]‏

‏{‏الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ‏(‏147‏)‏‏}‏

‏{‏الحق مِن رَّبّكَ‏}‏ كلام مستأنف، والحق إما مبتدأ خبره من ربك واللام للعهد، والإشارة إلى ما عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الحق الذي يكتمونه، أو للجنس‏.‏ والمعنى أن ‏{‏الحق‏}‏ ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه لا ما لم يثبت كالذي عليه أهل الكتاب، وإما خبر مبتدأ محذوف أي هو ‏{‏الحق‏}‏‏.‏ ومن ربك حال، أو خبر بعد خبر‏.‏ وقرئ بالنصب على أنه بدل من الأول، أو مفعول ‏{‏يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏{‏فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين‏}‏ الشاكين في أنه من ربك، أو في كتمانهم الحق عالمين به، وليس المراد به نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشك فيه، لأنه غير متوقع منه وليس بقصد واختيار، بل إما تحقيق الأمر وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر، أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏148‏]‏

‏{‏وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏148‏)‏‏}‏

‏{‏وَلِكُلّ وِجْهَةٌ‏}‏ ولكل أمة قبلة، أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة، والتنوين بدل الإضافة ‏{‏هُوَ مُوَلّيهَا‏}‏ أحد المفعولين محذوف، أي هو موليها وجهه، أو الله تعالى موليها إياه‏.‏ وقرئ‏:‏ ‏{‏وَلِكُلّ وِجْهَةٍ‏}‏ بالإِضافة، والمعنى وكل وجهة الله موليها أهلها، واللام مزيدة للتأكيد جبراً لضعف العامل‏.‏ وقرأ ابن عامر‏:‏ «مولاها» أي هو مولى تلك الجهة أي قد وليها ‏{‏فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ‏}‏ من أمر القبلة وغيره مما ينال به سعادة الدارين، أو الفاضلات من الجهات وهي المسامتة للكعبة ‏{‏أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا‏}‏ أي‏:‏ في أي موضع تكونوا من موافق ومخالف مجتمع الأجزاء ومفترقها، يحشركم الله إلى المحشر للجزاء، أو أينما تكونوا من أعماق الأرض وقلل الجبال، يقبض أرواحكم، أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلة، يأت بكم الله جميعاً ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة‏.‏ ‏{‏إِنَّ الله على كُلِّ شَئ قَدِيرٌ‏}‏ فيقدر على الإماتة والإِحياء والجمع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏149‏]‏

‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏149‏)‏‏}‏

‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ‏}‏ ومن أي مكان خرجت للسفر ‏{‏فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام‏}‏ إذا صليت ‏{‏وإَِنَّهُ‏}‏ وإن هذا الأمر ‏{‏لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ وقرأ أبو عمرو بالياء والباقون بالتاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏150‏]‏

‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏150‏)‏‏}‏

‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيثُمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ‏}‏ كرر هذا الحكم لتعدد علله، فإنه تعالى ذكر للتحويل ثلاث علل‏.‏ تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بابتغاء مرضاته، وجري العادة الإِلهية على أن يولي أهل كل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها‏.‏ ودفع حجج المخالفين على ما نبينه‏.‏ وقرن بكل علة معلولها كما يقرن المدلول بكل واحد من دلائله تقريباً وتقريراً، مع أن القبلة لها شأن‏.‏ والنسخ من مظان الفتنة والشبهة فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى‏.‏ ‏{‏لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ‏}‏ علة لقوله ‏{‏فَوَلُّواْ‏}‏، والمعنى أن التولية عن الصخرة إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة، وأن محمداً يجحد ديننا ويتبعنا في قبلتنا‏.‏ والمشركين بأنه يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته ‏{‏إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ‏}‏ استثناء من الناس، أي لئلا يكون لأحد من الناس حجة إلا المعاندين منهم بأَنهم يقولون، ما تحول إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده، أو بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم‏.‏ وسمى هذه حجة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ‏}‏ لأنهم يسوقونها مساقها‏.‏ وقيل الحجة بمعنى الاحتجاج‏.‏ وقيل الاستثناء للمبالغة في نفي الحجة رأساً كقوله‏:‏

وَلاَ عَيْبَ فِيهمْ غَيْرَ أَنَّ سُيوفَهُم *** بِهِنَّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتَائِبِ

للعلم بأن الظالم لا حجة له، وقرئ‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ‏.‏ على أنه استئناف بحرف التنبيه‏.‏ ‏{‏فَلاَ تَخْشَوْهُمْ‏}‏ فلا تخافوهم، فإن مَطَاعِنِهم لا تضركم‏.‏ ‏{‏واخشونى‏}‏ فلا تخالفوا ما أمرتكم به‏.‏ ‏{‏وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏}‏ علة محذوف أي وأمرتكم لإِتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتدائكم، أو عطف على علة مقدرة مثل‏:‏ واخشوني لأحفظكم منهم ولأُتم نعمتي عليكم، أو لئلا يكون وفي الحديث «تمام النعمة دخول الجنة»‏.‏ وعن علي رضي الله تعالى عنه‏:‏ «تمام النعمة الموت على الإِسلام»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏151‏]‏

‏{‏كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ‏(‏151‏)‏‏}‏

‏{‏كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ‏}‏ متصل بما قبله، أي ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة، أو في الآخرة كما أتممتها بإرسال رسول منكم، أو بما بعده أي كما ذكرتكم بالإِرسال فاذكروني‏.‏ ‏{‏يَتْلُو عَلَيْكُمْ آياتنا وَيُزَكِيكُمْ‏}‏ يحملكم على ما تصيرون به أزكياء، قدمه باعتبار القصد وأخره في دعوة إبراهيم عليه السلام باعتبار الفعل ‏{‏وَيُعَلّمُكُمُ الكتاب والحكمة وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ‏}‏ بالفكر والنظر، إذ لا طريق إلى معرفته سوى الوحي، وكرر الفعل ليدل على أنه جنس آخر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏152‏]‏

‏{‏فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ‏(‏152‏)‏‏}‏

‏{‏فاذكرونى‏}‏ بالطاعة‏.‏ ‏{‏أَذْكُرْكُمْ‏}‏ بالثواب‏.‏ ‏{‏واشكروا لِي‏}‏ ما أنعمت به عليكم‏.‏ ‏{‏وَلاَ تَكْفُرُونِ‏}‏ بجحد النعم وعصيان الأمر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏153- 154‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ‏(‏153‏)‏ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ‏(‏154‏)‏‏}‏

‏{‏يَا أيهالذين ءامَنُواْ استعينوا بالصبر والصلاة‏}‏ عن المعاصي وحظوظ النفس، ‏{‏والصلاة‏}‏ التي هي أم العبادات ومعراج المؤمنين، ومناجاة رب العالمين‏.‏ ‏{‏إِنَّ الله مَعَ الصابرين‏}‏ بالنصر وإجابة الدعوة ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ‏}‏ أي هم أموات ‏{‏بَلْ أَحْيَاءٌ‏}‏ أي بل هم أحياء‏.‏ ‏{‏وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ‏}‏ ما حالهم، وهو تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل وبالوحي، وعن الحسن‏:‏ ‏(‏إن الشهداء أحياء عند ربهم تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدواً وعشياً فيصل إليهم الألم والوجع‏)‏‏.‏ والآية نزلت في شهداء بدر، وكانوا أربعة عشر، وفيها دلالة على أن الأرواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من البدن تبقى بعد الموت داركة، وعليه جمهور الصحابة والتابعين، وبه نطقت الآيات والسنن، وعلى هذا فتخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الله تعالى، ومزيدة البهجة والكرامة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏155- 155‏]‏

‏{‏وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ‏(‏155‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَنَبْلُوَنَّكُم‏}‏ ولنصيبنكم إصابة من يختبر لأحوالكم، هلى تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء‏؟‏ ‏{‏بِشَيْء مّنَ الخوف والجوع‏}‏ أي بقليل من ذلك، وإنما قلله بالإضافة إلى ما وقاهم منه ليخفف عليهم، ويريهم أن رحمته لا تفارقهم، أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة، وإنما أخبرهم به قبل وقوعه ليوطنوا عليه نفوسهم ‏{‏وَنَقْصٍ مّنَ الأموال والأنفس والثمرات‏}‏ عطف شيء، أو الخوف، وعن الشافعي رضي الله عنه الخوف‏:‏ خوف الله، والجوع‏:‏ صوم رمضان، والنقص‏:‏ من الأموال الصدقات والزكوات، ومن الأنفس‏:‏ الأمراض، ومن‏:‏ الثمرات موت الأولاد‏.‏ وعن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة‏:‏ أقبضتم روح ولد عبدي‏؟‏ فيقولون نعم، فيقول الله‏:‏ أقبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون نعم، فيقول الله تعالى‏:‏ ماذا قال عبدي‏؟‏ فيقولون حمدك واسترجع، فيقول الله‏:‏ ابنو لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد» ‏{‏وَبَشّرِ الصابرين‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏156‏]‏

‏{‏الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ‏(‏156‏)‏‏}‏

‏{‏الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون‏}‏ الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لمن تتأتى منه البشارة‏.‏ والمصيبة تعم ما يصيب الإِنسان من مكروه، لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة»‏.‏ وليس الصبر بالاسترجاع باللسان، بل به وبالقلب بأن يتصور ما خلق لأجله، وأنه راجع إلى ربه، ويتذكر نعم الله عليه ليرى أن ما بقي عليه أضعاف ما استرده منه فيهون على نفسه، ويستسلم له‏.‏ والمبشر به محذوف دل عليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏157‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ‏(‏157‏)‏‏}‏

‏{‏أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ‏}‏ الصلاة في الأصل الدعاء، ومن الله تعالى التزكية والمغفرة‏.‏ وجمعها للتنبيه على كثرتها وتنوعها‏.‏ والمراد بالرحمة اللطف والإِحسان‏.‏ وعن النبي صلى الله عليه وسلم «من استرجع عند المصيبة، جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه» ‏{‏وَأُولَئِكَ هُمُ المهتدون‏}‏ للحق والصواب حيث استرجعوا وسلموا لقضاء الله تعالى‏.‏